الثعلبي

223

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وقتلهم برفع اللام ويقول بالياء ، اعتبارا بقراءة عبد اللّه ويقال ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي النار ، والنار اسم جامع للملتهبة منها وغير الملتهبة ، والحريق اسم للملتهبة منها ، وهو بمعنى المحرق كما يقال : عذاب أليم وضرب وجيع . ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فيعذب بغير ذنبه الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا الآية . قال الكلبي : نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن تابوه وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب ، أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : يا رسول اللّه تزعم أن اللّه بعثك إلينا رسولا وأنزل علينا كتابا ، فإن اللّه قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند اللّه حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ، فإن جئتنا به صدقناك « 1 » ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ الَّذِينَ قالُوا يعني وسمع اللّه قول الذين قالوا ، ومحل ( الَّذِينَ ) خفض ردّا على الذين الأول إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أي أمرنا وأوصانا في كتبه على ألسنة رسله . أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ أي لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند اللّه حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ فيكون ذلك دلالة على صدقه ، والقربان كل ما يتقرب به العبد إلى اللّه عزّ وجلّ من زكاة وصدقة وعمل صالح ، وهو فعلان من القربة مثل الرفعان من الرّفع [ والغنيان ] من الغنى ، ويكون اسما ومصدرا فمثال الاسم : السلطان والبرهان ، ومثال المصدر : العدوان والخسران . وكان عيسى بن عمر يقرأ : قُرُبان فبضم الراء والقاف كما يقال في جمع ظلمة : ظلمات ، وفي جمع حجرة : حجرات . قال المفسرون : كانت القرابين والغنائم تحل لبني إسرائيل ، فكانوا إذا قرّبوا قربانا وغنموا غنيمة فإن تقبل منهم ذلك جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف ، فتأكل ذلك القربان وتلك الغنيمة وتحرقهما ، فيكون ذلك علامة القبول ، وإذا لم يقبل بقي على حاله . وقال عطاء : كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطائب اللحم فيضعونها في وسط البيت والسقف مكشوف ، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربّه ، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت ، فتنزل نار فتأخذ ذلك القربان فيخر النبي ساجدا فيوحي اللّه عزّ وجلّ إليه بما شاء . قال السدي : إن اللّه تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة : من جاءكم من أحد يزعم أنه رسول فلا تصدقوه حتى يأتيكم بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ حتى يأتيكم المسيح ومحمد ، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان ، قال اللّه تعالى إقامة للحجة عليهم قُلْ يا محمد قَدْ جاءَكُمْ يا معشر اليهود رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ من القربان فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ يعني زكريا

--> ( 1 ) أسباب النزول للواحدي : 89 وتفسير القرطبي : 4 / 295 .